مجمع البحوث الاسلامية
603
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الواجب أن يكون حبّه والإخلاص له بالتّديّن له بدين التّوحيد وطريق الإسلام . [ إلى أن قال كنتيجة البحث : ] إن كنتم تريدون أن تخلصوا للّه في عبوديّتكم بالبناء على الحبّ حقيقة فاتّبعوا هذه الشّريعة الّتي هي مبنيّة على الحبّ . . . فإن اتّبعوني في سبيلي - وشأنه هذا الشّأن - أحبّكم اللّه ، وهو أعظم البشارة للمحبّ . . . » . 2 - وقد جاءت فيهما علامة لحبّهم للّه ، وهي في ( 40 ) اتّباع الرّسول الّذي مضى بيانه في كلام الطّباطبائيّ ، وفي ( 41 ) أنّهم أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين . وهذه ثلاثة معايير لتبادل الحبّ بين العبد والرّبّ مرجعها القرب من اللّه والبعد عنه ، فاتّباع الرّسول بوصفه رسولا من اللّه ، والخضوع أمام المؤمنين بوصفهم آمنوا باللّه ، والعزّة على الكافرين بوصفهم كفروا باللّه ، هي ملاك القرب من اللّه والبعد عنه ، ويختلفان زيادة ونقصا بحسبها شدّة وضعفا . 3 - وفي هذا التّحابّ وتبادل الحبّين بين العبد والرّبّ يكمن القرب بينهما وينجرّ إلى نوع من التّلاحم والاتّحاد والفناء يلمسه المحبّ ويباهي به ، وهو جاهل بحقيقته ، فإنّه من قبيل ما يدرك ولا يوصف ، ويحسبه من لا يلمسه كفرا وجنونا ، ولكنّ المحبّ يدّعي وينشد : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا أو يصرّح : « ليس في جبّتي سوى اللّه » ممّا أنكره الفقهاء والمتشرّعون ، وفيها حقّ وباطل ، وزين وشين ، وشطحات ولمحات . 4 - في حقيقة هذين الحبّين خلاف بين أهل الحديث والسّلفيّين من ناحية ، وبين المتكلّمين من ناحية ، وبينهما وبين العرفاء والمتصوّفة من ناحية ثالثة : فأهل الحديث والسّلفيّة حملوا الحبّين على حقيقتهما ، فقالوا في حبّه لغيره : إنّه صفة له كسائر صفاته ، نثبتها ولا نأوّلها ، بل حبّه كعلمه وقدرته وغيرهما وصف له يناسبه ، ولا يشابه صفاتنا ، لأنّه تعالى لا يشبه خلقه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى : 11 . وأمّا حبّ العبد له تعالى فهو أيضا على حقيقته ، يتعلّق بذاته من دون أن يحيط العبد بذاته وصفاته . وأمّا المتكلّمون شيعة وسنّة فيأوّلون حبّ اللّه لخلقه ب « ثوابه وإكرامه لهم » ، وحبّهم له ب « طاعتهم له ، وشكرهم إيّاه ، وتعظيمهم له » ، وما بمعناها ، زعما منهم أنّ المحبّة من جنس الإرادة ، والإرادة لا تتعلّق إلّا بالحوادث ، فلا تتعلّق بذات اللّه من قبل العبد ، بل بطاعته وشكره ، ونحوهما من الأعمال ، ولا بذات العبد من قبل اللّه ، بل بما أعطاهم من الهداية ، واللّطف والتّوفيق للإيمان والعمل الصّالح ، وللتّنعّم بالنّعم في الدّنيا ، وبما وهبهم من الأجر والثّواب والغفران في الآخرة ، ونحوها . وأيضا ظنّا منهم أنّه لا بدّ من السّنخيّة بين المحبّ والمحبوب ، ولا سنخيّة بين اللّه وخلقه . وقد ردّ الفخر الرّازيّ وغيره كلتا الحجّتين ، بأنّ الحبّ ليس من جنس الإرادة ، ولا تجب السّنخيّة بين المحبّ والمحبوب ، فإنّ الإنسان يحبّ الأشياء والأمتعة والأغذية ، والحيوان كالطّير والفرس ، ولا سنخيّة بينه وبينها ، وما ذكروه في الحبّين فكلّه من آثارهما وليس عينهما .